الموت في الطب الشرعي د. عادل عامر 

Publié le par Médecin Légiste djama kamel

  الموت في الطب الشرعي   د. عادل عامر 

الموت في الطب الشرعي
تعريفه - أنواعه - مراحله - أشكاله

 

مقدمة :
مما لاشك فيه أن كلمة الموت تثير عند الكثيرين مشاعر متناقضة تشكل مزيجاً من الخوف والتوجس والشعور بالنهاية عند البعض والشعور بالخلاص والاطمئنان عند البعض الآخر.
وبالنسبة لموضوعنا هنا فإننا نتناول الموضوع من زاوية مختلفة تماماً .
فالموت نتناوله اليوم من وجهة نظر طبية شرعية حيث ينظر للموت نظرة علمية مجردة تنظر للموت من الناحية العلمية والقانونية محاولةً تحديد تعريف محدد له وتحديد أنواعه من الناحية الطبية ومن الناحية القانونية وتحديد طرق تشخيصه العلمية .
تعريف الحياة و الموت:
قد يقول قائل إن معنى الموت واحد ولا خلاف حوله ، فهو توقف أجهزة الجسم عن العمل . فهل يا ترى هذا هو معنى الموت .
الحقيقة فإن معنى الموت مختلف عليه ويكتنفه الغموض . فهل هو يا ترى وبكل بساطة عبارة عن توقف أجهزة الحياة كالقلب والتنفس والمراكز العصبية ؟
تعريف الحياة : إن الحياة هي مجموعة من الأفعال الحيوية تعمل جميعها معاً في حفظ كيان جسم الإنسان ودرء الأخطار عنه . فإذا ما تداعت الحياة بتداعي إحدى هذه الأعمال الحيوية انهارت الحياة ، وبدأت العوامل المحللة للجثة فعلها حتى تأتي على فنائها كاملاً .
ليس الموت مجرد غياب الحياة و إنما هو توقف الحياة في عضوية حية سابقاً، ولكن لا يوجد تعريف وحيد للموت، فالموت هو حدثيه وليس حادثاً.
في الحيوانات العليا كما الإنسان تموت أجزاء من الجسم بأوقات مختلفة وتصبح المسألة مثار خلاف وجدل حين نقرر متى حدث الموت، ويعقِّد ذلك المعتقدات الأخلاقية والدينية .
أنواع الموت (Types of death) :
يمكن تقسيم الموت إلى جسمي وخلوي.
يعني الموت الجسدي أن الشخص لم يعد قادراً على القيام بوظائفه كوحدة في المجتمع لأنه فقد الوعي بصورة لا عودة عنها ولذلك لا يستطيع الاتصال مع المحيط كما أنه غير مدرك لوجوده أو وجود العالم.
إن عبارة لا عودة عنه هي حيوية هنا في هذا التعريف وإلا ستنطبق معايير الموت الجسدي مع النوم أو التخدير أو السبات المؤقت .ولكن قلة قليلة من الناس سينطبق عليها هذا التعريف حول الموت الحقيقي بالرغم من وجود تنفس عفوي وضربات قلب مستمرة كما سنناقش فيما بعد .
يعني الموت الخلوي توقف الاستقلاب والتنفس في أنسجة الجسم ويتبعه حالاً الانحلال الذاتي والتفسخ .وهذا موت حقيقي عندما يظهر في كامل الجسم، ولكنه لا يحدث أبداً بصورة متواقتة باستثناء حالة الانفجار الذري ربما . وحتى في حالة انفجار قنبلة قوية في الشخص فإن خلايا قطع الجلد والعظم..الخ تعيش على الأقل بضع دقائق وحتى ساعات .
تموت الأنسجة والأعضاء المختلفة بمعدلات مختلفة بدرجة كبيرة وعادة بسبب قابليتها لنقص الأكسجة، وكما ذكرنا لتونا فإن الجلد والعظم والعضلات والعديد من عناصر النسيج الضام البنيوية يمكن أن تبقى حية برغم قلة الأكسجة لفترة طويلة . وعلى سبيل المثال يمكن أخذ خلايا صانعات الليف من الجلد وزرعها حتى عدة أيام بعد الموت، وتُستخدم استجابة العضلات الهيكلية للتحريض الكهربائي كوسيلة لقياس زمن الوفاة بعد توقف القلب بعدة ساعات وقد ظهر حديثاً أن الكريات البيض يمكن أن تبقى متحركة 12 ساعة على الأقل بعد توقف القلب مما يجعل المفهوم القديم عن" الارتكاس الحيوي" للأذية أقل تأكيداً. ومن ناحية أخرى يكون النسيج العصبي معرضاً بشدة لنقص الأكسجة وستموت عصبونات قشر المخ بعد 3ـ7 دقائق من الحرمان التام من الأكسجين .أما الخلايا العصبية الأعمق من القشر في الجهاز العصبي المركزي فهي مقاومة أكثر ولكنها تموت نسبياً بزمن قصير بعد القصور القلبي الدوراني .
الموت الدماغي
هذا يقودنا إلى مفهوم الموت الدماغي الذي له أهمية عظيمة قانونياً وأخلاقياً وبعلاقته مع زرع الأعضاء . إن الموت الدماغي ليس مصطلحاً دقيقاً مثل موت جذع الدماغ والموت القشري وموت كامل الدماغ وهذه الأخيرة أكثر فائدة .
مقدمة تشريحية :
الدماغ مكون من نصفي كرة إضافة إلى جذع الدماغ والمخيخ، وهناك مناطق معروفة في المخ تتحكم بالحركة والكلام والذاكرة والوظائف الأخرى، كما أن جذع الدماغ يحتوي على المناطق البالغة الأهمية والتي تتحكم بالصحوة كالتكوين الشبكي والتنفس والدورة الدموية.
والمناطق الدماغية العليا والتي تتحكم بالإدراك لا تعمل إلا بوجود جذع الدماغ في حالة وظيفية مناسبة، وبالتالي يمكن أن يفقد الإنسان الوظائف الدماغ العليا ويبقى حياً كما هو الحال في حالة الغيبوبة النباتية المستمرة (Persistent Vegetative State) والعكس غير ممكن أي أنه لا يمكن أن يستمر الإنسان حياً إذا توقف جذع الدماغ عن العمل.
بعد حدوث تنوع من الأذيات الفيزيولوجية التي تشمل نقص الأكسجة وتوقف القلب والنزف داخل القحف والتسمم والرض الدماغي يمكن لكل الدماغ أو لجزء منه أن يتأذى بصورة غير عكوسة، فإذا دُمّر القشر فقط كما في بعض التأثيرات الدوائية أو بعد فترة قصيرة من نقص الأكسجة فسنجد الضحية في سبات عميق مع المحافظة على وظيفة جذع الدماغ ولذلك يبقى التنفس العفوي . ويصطلح على تسمية ذلك الحالة النباتية المستمرة "pvs " ويحدث الموت في النهاية إما من امتداد الأذية القشرية أو من إنتان مضاعف مع أنه يمكن أن لا يحدث ذلك لمدة شهور وحتى لسنوات عديدة . سابقاً قلة من ممتهني الطب كان يعتبر مثل هذا الإنسان ميتاً حتى وهو يعاني من موت جسدي يتعلق بالاتصال مع العالم ولكن حديثـاً منحت المحاكم الإذن للأطباء تحت إلحاح الأقرباء لإيقاف التغذية بحيث يحدث الموت كلية . ومثال على ذلك حالة "توني بلاند" عام "1993 " حيث سُحق في كارثة كرة القدم في " شيفيلد " وأدى الاختناق الرضي الذي سببته الحشود إلى الحالة النباتية المستمرة التي ذكرناها سابقاً"pvs " وبعد أكثر من سنتين من فقدان الوعي مع الحفاظ على التنفس العفوي أعطت المحاكم البريطانية الموافقة على إيقاف التغذية حيث توفي بطريقة لائقة خلال أسبوع تقريباً .
إذا تأذى جذع الدماغ يمكن أن تتخرب المراكز الحيوية في البصلة السيسائية مما يسبب فشل نظام التنفس الحركي ويمكن أن يحدث هذا في العديد من الأسباب بما فيها الرض والوذمة الدماغية والنزف ونقص الأكسجة والانتانات مثل شلل الأطفال .
وعندما يثبت سريرياً موت جذع الدماغ فلن يقتصر الأمر على ضياع مركز التنفس بل إن أذية التشكلات الشبكية الصاعدة تعني أن فقدان الوعي دائم حتى لو كان قشر الدماغ مازال يقوم بوظائفه . وفي الحقيقة في معظم الحالات تكون الأذية المورفولوجية للدماغ الكافية لتدمير جذع الدماغ مترافقة مع أذية المراكز العليا الأكثر حساسية في القشر بصورة غير عكوسة وهذه الحالة تدعى موت كامل الدماغ، وحتى السنوات الأخيرة كانت أية ضحية لموت جذع الدماغ ستموت بسرعة خلال دقائق بسبب الشلل التنفسي الذي يتلوه نقص الأكسجة في العضلة القلبية وفشل القلب . وعندما تطورت التهوية الصنعية أمكن الحفاظ على الأكسجة وبالتالي على وظيفة القلب .وفي الأصل تطور ذلك لمعالجة توقف التنفس في شلل الأطفال الذي يصيب البصلة السيسائية الغير مصحوب بأذية علوية لجذع الدماغ بحيث يحافظ على الوعي ولكن يمكن تطبيق التهوية الآن في حالة موت جذع الدماغ الكامل مع أنه حتى في حال الحفاظ على الأكسجة الكاملة فإن توقف القلب عادة يحدث خلال عدة أيام .
وكنتيجة لكل هذه الحقائق هناك إجماع جوهري في الرأي حول أن موت جذع الدماغ يساوي الموت القانوني . وهكذا عندما تتوقف وظائف جذع الدماغ بصورة غير عكوسة فإن أقصى ما يمكن للتهوية الصنعية إنجازه هو الحفاظ على دوران مؤكسج عبر الجثة . وعند ظهور هذه المرحلة سريرياً يمكن للطبيب أو الأطباء إصدار شهادة وفاة حتى إذا كان القلب مستمراً بالخفقان . يمكن في هذه المرحلة اتخاذ الترتيبات لأخذ أعضاء ونسج المتبرع مع أنه يجب التأكيد هنا أن كامل مفهوم موت جذع الدماغ وإيقاف التهوية الصنعية لا يتعلق بصورة أساسية بِفُرَص زرع الأعضاء .
هناك قرارات أكثر تتعلق بتشخيص موت جذع الدماغ عند غير المتبرعين، فقرار إيقاف التهوية الصنعية يُبنى على أسس أخلاقية وإنسانية بواسطة الأطباء المعالجين وليس جراحي زرع الأعضاء . ويتخذ قرار إيقاف المعالجة اليائسة بسبب كرامة المريض المتوفى والحاجة لتجنب شدة أكثر للأقرباء والحاجة إلى تحرير العناية المشددة وتجهيزات التهوية من أجل
مرضى آخرين يمكن لتوقف تنفسهم العفوي المؤقت أن يكون قابلاً للشفاء .
وهناك دراسات كثيرة عن حالات موت الدماغ التي تثبت عدم عودة أي شخص إلى الحياة، فعلى سبيل المثال أوردت الدراسة التي أجراها جينت (Jennet) وزملاؤه عام 1981م عن 609 حالاتٍ موت شخصت في ثلاثة من أقسام جراحة الدماغ في بريطانيا واتضح أن جميع المرضى توفوا خلال 30 إلى 40 ساعة من بقائهم على أجهزة التنفس الصناعية.
وأما الحالات التي أفاق منها المريض فليس من المعقول أن تكون قد شخصت كحالات موت المخ حسب البروتوكولات والشروط الموضوعة .
الحالات المشابهة للموت
وأهم الحالات المشابهة للموت هي : (استعمل البروفسور بروكوب الأحرف الصوتية اللاتينية التالية للمساعدة على حفظها) :
A :
التسمم الكحولي ، الأسيتون (سبات سكري) ، فقر دم ، عوز أوكسجين الدم .
A : Alcohol , Acetone , Anemia , Anoxemia
E :
الصرع ، الصعق الكهربائي ، الغرق .
E : Epilepsy , Electrocution , Ertrinken
O :
الأفيون والمخدرات الأخرى إضافة للمنومات بجرعات سامة .
O : Opium
U :
السبات اليوريميائي والأنواع الأخرى للسبات إضافة لبرودة الجسم .
U : Uremia , Umterkuhlung

في جميع الحالات السابقة تكون الفعاليات الحياتية من تنفس ودوران في حدودها الدنيا، حيث يجب الإصغاء بشكل جيد لسماعها .
إن وسائل الإنعاش قد تطورت جداً في الوقت الحالي ، فقد أصبح بالإمكان اليوم إدامة التنفس والدوران بصورة آلية لفترة طويلة من الزمن قد تمتد لبضعة أشهر .
وثمة أمثلة صارخة تحدثت عنها وكالات الأنباء فـ (جمال كورسال) زعيم أول انقلاب في تركيا بعد كمال أتاتورك أمكن إدامة فعالياته الوظيفية الدنيا بصورة آلية ما يقرب الستة أشهر بقي خلالها معلقاً بين الحياة والموت ، وأخر الأمثلة تينو الزعيم اليوغسلافي الذي بقي في غرفة العناية المكثفة أياماً لا هو حي ولا هو ميت .

 

Commenter cet article