علاقـــة السببية في جرائم القتل العمد و غير العمد: الأهمية؛ المعيار و الإثبات

Publié le par Médecin Légiste djama kamel

علاقـــة السببية في جرائم القتل العمد و غير العمد:  الأهمية؛ المعيار و الإثبات

أهمية علاقة السببية :
جريمة القتل من جرائم النتيجة، وتتمثل وفق النموذج القانوني لها في إزهاق روح إنسان حي. ويتطلب الركن المادي لهذا النوع من الجرائم ليس فقط وقوع فعل القتل من الجاني، وإزهاق روح إنسان حي، بل أيضاً توافر علاقة سببية بين فعل الاعتداء على الحياة ووفاة المجني عليه، أي أن تقوم بينهما رابطة السبب بالمسبب.
ولا تثير علاقة السببية صعوبة في مدى توافرها بين فعل الجاني ووفاة المجني عليه إذا كان هذا الفعل قد أدى بمفرده وفور ارتكابه إلى تحقق الوفاة، كمن يطعن آخر طعنات متتالية حتى يلفظ أنفاسه، أو يسدد إليه عياراً في القلب فيموت في الحال. فيكون واضحاً وملموساً أن سلوك الجاني هو سبب الوفاة .
إلا أن إسناد الوفاة إلى سلوك الجاني وحده لايعرض بهذه البساطة في واقع الحياة، ففي الغالب تتعدد العوامل التي تساهم في إحداث الوفاة، ويكون سلوك الجاني أحد هذه العوامل ، فيصعب تحديد العامل الذي كان سبباً في حدوثها. هذه العوامل قد تكون سابقة على وقوع فعل الاعتداء كاعتلال صحة المجني عليه، وقد تكون معاصرة للفعل كما لو أطلق شخص عياراً نارياً على غريمة فأصابه، وفي ذات اللحظة أصيب المجني عليه بسكته قلبية. وقد تكون تلك العوامل لاحقة على فعل الاعتداء، كإهمال المجني عليه في علاج نفسه، أو خطأ الطبيب المعالج في استخراج العيار الناري، وقد يشب حريق في المستشفى يودي بحياة المجني عليه. لاشك في أن إطلاق الرصاص يعد أحد العوامل التي ساهمت في إحداث النتيجة، ولكن هل يسوغ المنطق القانوني مساءلة من اطلق الرصاص عن النتيجة التي تضافرت عوامل أخرى مع سلوك الجاني في إحداثها .
وتكتسي علاقة السببية أهمية بالغة في تحديد المسئولية الجنائية للفاعل في جرائم القتل خاصة، ففي القتل العمدي لايكفي إسناد فعل الاعتداء على الحياة إلى الجاني، بل يلزم ربط وفاة المجني عليه سبباً بهذا الفعل، فإذا انتفت علاقة السببية بينهما كانت الواقعة شروعاً في قتل. وفي القتل الغير عمدي يلزم أيضاً توافر علاقة سببية بين الإصابة والوفاة وإلا كنا بصدد جنحة اعتداء غير عمدي على سلامة الجسم لاقتل غير عمدي .

معيار علاقة السببية :
تعددت النظريات التي حاولت إيجاد معيار منضبط لها ، وتجد هذه النظريات تطبيقاً لها في جريمة القتل ( ).
أولاً : نظرية تعادل الأسباب: تسلم هذه النظرية بتعادل الأسباب وتساويها في القيمة، فسبب نتيجة من النتائج هو مجموع العوامل التي أدت إلى إحداثها بصرف النظر عن قيمة كل منها منفرداً ، مادام هذا العامل كان لازما لوقوع النتيجة . ويكون العامل لازما لوقوع النتيجة إذا كانت لم تكن لتقع لو لم يكن هذا العامل موجوداً . فإذا ساهم فعل الجاني مع عوامل أخرى سواء كانت طبيعية أو إنسانية في خلق النتيجة ، تحمل الجاني تبعة النتيجة .
ويؤدي تطبيق هذه النظرية على جريمة القتل إلى القول بتوافر علاقة السببية بين فعل الجاني ووفاة المجني عليه ، متى ثبت أن فعله كان أحد العوامل التي ساهمت في إحداثها . غاية الأمر أنه إذا تعددت الأسباب في إحداث النتيجة، فلا عبرة إلا بالأسباب الأولية أو الابتدائية التي أثارت الأسباب الأخرى، لأن هذا السب هو الذي هيأ للأسباب الأخرى ظروف تحقيق آثارها . فلو أن شخصاً طعن آخر بقصد قلته، فأصابه في غير مقتل، ثم نقل إلى المستشفى للعلاج ، فارتكب الطبيب خطأ جسيما في علاجه ، ثم شب حريق بالمستشفى توفي المجني عليه على إثره ، اعتبر محدث الإصابة مسئولاً عن وفاة المجني عليه، لأنه لولا الإصابة لما دخل المجني عليه المستشفى ومات فيه . فالعوامل الأخرى التي أسهمت مع فعل الجاني في إحداث النتيجة، لا تنفي علاقة السببية بين الفعل والوفاة، وإن جاء تدخلها تاليا لفعل الجاني، وزاد هذا التدخل من جسامة الفعل وأدي إلى الوفاة .
أُخذ على هذه النظرية أنها متناقضة، فهي تقرر المساواة بين الأسباب في إحداث النتيجة، ثم تُسند النتيجة إلى سبب واحد منها . ويترتب على هذه النظرية مساءلة الجاني عن نتائج أشد جسامة من النتائج التي كان سوف يؤدي إليها فعله، لولا تدخل العوامل الأخرى التي أسهمت في إحداث وفاة المجني عليه.
ثانياً – نظرية السبب المباشر أو الفعال : مقتضاها أنه عند تعدد العوامل التي ساهمت في إحداث النتيجة، يتعين إقصاء الأسباب البعيدة في علاقتها بالنتيجة، بحيث تتوقف المسئولية الجنائية على السبب الذي لعب دوراً مباشراً، فعالاً وفوريا في إحداث النتيجة .
أما الأسباب الأخرى فهي مجرد ظروف ساعدت السبب الأساسي في إحداث النتيجة. وعليه يمكن أن يكون سلوك الجاني أو عامل آخر غيره هو السبب الفعال في حدوث النتيجة.
ويقتضي تطبيق هذه النظرية بحث مختلف العوامل التي ساهمت في إحداث النتيجة، لمعرفة مايعد منها سبباً فعالاً فيتحمل تبعتها، وما يعد مجرد ظرف عارض لاينسب إليه حدوثها .
انتقدت هذه النظرية على أساس أنها حلت الصعوبة بمثلها ، ذلك أنها لم تضع معياراً للتفرقة بين السبب والظرف ، فضلاً على أنها تحصر السببية في نطاق ضيق .
ثالثاً : نظرية السبب الملائم : تقوم هذه النظرية على التفرقة بين العوامل التي أدت إلى النتيجة الإجرامية . فالعامل الذي يعتد به هو الذي ينطوي في ذاته على صلاحية إحداث النتيجة وفق السير العادي للأمور. فيعد سلوك الجاني سبباً للنتيجة الإجرامية ولو ساهمت معه في إحداثها عوامـل أخـرى سابقة أو معاصرة أو لاحقـه عليـه، مادامت هذه العوامل متوقعة ومألوفة، أما إذا تدخل في التسلسل السببي عامل شاذ غير متوقع ولا مألوف، فإنه يقطع علاقة السببية بين سلوك المتهم ووفاة المجني عليه، وتقف مسئولية الجاني عند حد الشروع في القتل إذا توافر لديه القصد الجنائي، بينما يتحمل العامل الشاذ تبعة النتيجة الإجرامية .
ويتم تحديد كون العامل مألوفاً ومتوقعاً، أو شاذاً وغير متوقع بمعيار موضوعي يقوم على مايتوقعه الشخص العادي إذا وجد في مثل ظروف الجاني، وليس على ما يتوقعه الجاني نفسه.
ومن أمثلة العوامل المتوقعة المألوفة التي لاتقطع علاقة السببية بين فعل الجاني والوفاة، ضعف المجني عليه أو مرضه، وتسمم الجروح، وإهمال المجني عليه في علاج نفسه إهمالاً يتوقع أن يصدر ممن يوجد في مثل ظروفه، وخطأ الطبيب البسيط في العلاج. وفي مقابل ذلك يعد من قبيل العوامل الشاذة غير المألوفة التي تقطع علاقة السببية، تعمد المجني عليه عدم علاج نفسه لتسويء مركز المتهم، والخطأ الجسيم للطبيب في العلاج، واحتراق المستشفى الذي نقل إليه المجني عليه.
وتعد هذه النظرية أكثر قبولاً لدى غالبية الفقة وكذلك القضاء. فقد قضت محكمة النقض المصرية " بأن المتهم مسئول في صحيح القانون عن جميع النتائج المحتمل حصولها من الإصابة ولو كانت عن طريق غير مباشر، كالتراخي في العلاج أو الإهمال فيه، مالم يكن متعمداً لتجسيم مسئولية الجاني " ( ) .
هذا وقد أخذ المشرع الإماراتي بنظرية السببية الملائمة وذلك بنص (المادة 32) عقوبات اتحادي التي تقضي بأنه " لايسأل الشخص عن جريمة لم تكن نتيجة لنشاطه الإجرامي غير أنه يسأل عن الجريمة ولو كان قد أسهم مع نشاطه الإجرامي في إحداثها سبب آخر سابق أو معاصر أو لاحق متى كان هذا السبب متوقعاً أو محتملاً وفقاً للسير العادي للأمور ... " .

إثبات علاقة السببية
علاقة السببية عنصر في الركن المادي لجريمة القتل ، وشرط لتحقق مسئولية الجاني عن الوفاة ، لذلك يجب على محكمة الموضوع عند إدانة المتهم بجريمة القتل، أن تثبت في حكمها توافر علاقة السببية بين سلوكه ووفاة المجني عليه، وإلا كان حكمها مشوباً بالقصور بما يستوجب نقضه( ). وعلاقة السببية مسألة موضوعية، يقدر توافرها أو عدم توافرها قاضي الموضوع من وقائع الدعوى دون معقب، مادام حكمه مؤسساً على أسانيد معقولة مستمدة من وقائع الدعوى. وهذا يعني أن محكمة النقض لاتراقب قاضي الموضوع في استخلاص علاقة السببية، إلا إذا كان ماخلص إليه مشوباً بسوء الاستدلال، كأن يكون العامل الذي ربط النتيجة به لايصلح لأن يكون سبباً لها .
وفي أغلب جرائم القتل يلجأ القاضي في إثبات علاقة السببية إلى الخبرة الفنية التي تتمثل في التقرير الطبي ، فتستند المحكمة في استخلاص توافر علاقة السببية إلى ما ورد في التقرير الطبي .

Commenter cet article